الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
44
نفحات الولاية
ومن هنا نرى بعض العسكريين يضعون أصابعهم في آذنهم ويبتعدون عن الأماكن التي يفجرون فيها الأسلحة حذراً على سمعهم . وأخيراً فانّ سمع الإنسان يضعف كلما إبتعد عن مصدر الصوت مهما كان عظيماً ، ومن هنا يوصف السمع بالعجز ، فالواقع هنالك ما لا يحصى من الأصوات التي تحيط بنا إلّاأنا نعجز عن سماعها . أمّا سمع الحق سبحانه فلايحتاج إلى واسطة ووسيلة ، وسمعه جزء من علمه ، أي أنّه عليم بجميع الأصوات ، فلا يحجزه سمع صوت عن آخر ، ولا يؤذيه صوت ولايبتعد عنه آخر ، وكلها لديه على السواء : « قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ فِي السَّماءِ وَالأَرضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ » « 1 » . وقال في الصفة الثامنة : « وكلّ بصيرٍ غيره يعمى عن خفّى الألوان ولطيف الأجسام » فالباصرة لدى الإنسان وسائر الكائنات تحصل بواسطة العين التي تتشكل من عدّة طبقات لكل منها وظيفة خاصة من قبيل الشبكية والقزحية والبؤبوء التي تتعاضد جميعاً لرؤية الصور في الخارج ، مع ذلك فهناك أنواع من الأشعة التي يتعذر على العين رؤيتها ، ناهيك عن انعدام الرؤية لديها في الظلام ، في حين لا يخفى على اللَّه شئ وهو محيط بجميع الأشياء « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ » « 2 » فالسمع والبصر الحقيقي إنّما يختص بالذات الإلهية المقدسة وقال في الصفتين الأخيرتين : « وكلّ ظاهرٍ غيره باطنٌ ، وكلّ باطنٍ غيره غير ظاهرٍ » وهذه الصفات تستند في الواقع إلى ذاته اللامتناهية ومحدودية ذوات ما سواه ، فلما كانت ذاته القدسية لامتناهية فان آثاره شملت جميع عالم الوجود وساد ظهوره المطلق كل زمان ومكان ، أمّا سائر الكائنات فمهما كان لها من ظهور فهو محدود ، ومن هنا يمكن القول بأنّها توصف بالظهور والخفاء ، فهناك الكواكب والمجرات التي تفوق بحجمها الشمس وتفوقها نوراً وضوءاً ، إلا أنا لا نرى لها أي أثر ، والعكس صحيح فإذا تجاوزنا قليلًا دائرة المنظومة الشمسية لبدت لنا الشمس باهتة حتى تنعدم بالمرة إضافة إلى ذلك ، فانّ كل هناك من ظهور لشئ - مهما كان نسبياً ومحدوداً - فان ذلك ببركة وجود اللَّه ، وإلّا فجميع الممكنات مظلمة وقاتمة في ذاتها ، ونور اللَّه هو الذي يمنحها هذا الظهور ، هو بالضبط كذرات الغبار المعلقة في الهواء المعدومة الرؤية إلّاأنّها تبدو للعيان وتظهر إذا ما
--> ( 1 ) سورة الأنبياء / 4 . ( 2 ) سورة الشورى / 11 .